في تدبير الشأن التربوي، لا تقاس كفاءة المسؤول فقط بعدد الاجتماعات التي يعقدها، ولا بحجم المراسلات التي يوقعها، بل بقدرته على قراءة الواقع قبل ان يتحول الى ازمة، وعلى تحريك منظومة كاملة في الوقت المناسب، وعلى جعل مختلف المتدخلين يشتغلون وفق رؤية واحدة. ومن هذه الزاوية، يبرز اسلوب العلامي القريشي باعتباره نموذجا في التدبير القائم على الحكامة واليقظة والدهاء الاداري الهادئ.
فالعلامي لا يبدو من طينة المسؤولين الذين ينتظرون التقارير حتى يعرفوا ما يجري في الميدان. منطقه التدبيري يقوم على الاقتراب من التفاصيل، وتتبع مراحل الانجاز، واستباق مكامن التعثر قبل ان تصبح موضوع شكايات او ارتباك. وهو ما يجعل حضوره الميداني جزءا من القرار، لا مجرد صورة مرافقة له.
ومع اقتراب الدخول المدرسي، تتضاعف حساسية المرحلة، حيث تتداخل جاهزية المؤسسات، والبنيات التربوية، والموارد البشرية، والتجهيزات، والعمليات المرتبطة باستقبال التلميذات والتلاميذ. هنا بالضبط يظهر معنى الحكامة في ابسط صورها واكثرها عمقا: توزيع المسؤوليات، ضبط الاولويات، تحديد مواطن الخلل، ثم التدخل في الوقت المناسب دون ضجيج.
ويبدو دهاء العلامي القريشي التدبيري في كونه لا يتعامل مع المشاكل بعد وقوعها فقط، بل يشتغل بمنطق السيناريوهات. ماذا لو تأخرت الاشغال؟ ماذا لو ظهرت خصاصات مفاجئة؟ ماذا لو لم تكن بعض المؤسسات جاهزة في الموعد المطلوب؟ هذه الاسئلة ليست تفصيلا في عمل المسؤول التربوي، بل هي جوهر القيادة الاستباقية.
ومن يتابع تحركاته يلاحظ ان الرجل يجمع بين مستويين من التدبير قد لا ينجح كل مسؤول في التوفيق بينهما: مستوى استراتيجي يحدد الوجهة العامة، ومستوى ميداني يدقق في التفاصيل. فلا معنى لخطة محكمة لا تصل الى المؤسسة التعليمية، ولا قيمة لزيارة ميدانية لا تكون مرتبطة بقرار قابل للتنفيذ.
كما ان الحكامة في اسلوبه لا تقوم على تركيز كل شيء في يد المسؤول الاول، بل على جعل كل مستوى اداريا واعيا بدوره ومسؤوليته. المدير الاقليمي، ورئيس المصلحة، ومدير المؤسسة، والاطر الادارية والتربوية، كلهم حلقات في منظومة لا يمكن ان تنجح الا اذا اشتغلت بمنطق التنسيق والمساءلة والنتيجة.
ولعل ابرز ما يميز هذا النمط من القيادة هو الهدوء. فالدهاء الاداري الحقيقي لا يحتاج الى استعراض. يظهر في حسن اختيار التوقيت، وفي ترتيب الملفات حسب الاولويات، وفي القدرة على معرفة متى يجب التدخل شخصيا، ومتى ينبغي ترك المجال للمسؤول المحلي حتى يتحمل مسؤوليته كاملة.
بهذا المعنى، لا يبدو العلامي القريشي مجرد مسؤول يدبر مرحلة الدخول المدرسي، بل قائد يحاول ان يجعل من كل محطة اختبارا لقدرة الادارة التربوية على الاشتغال بمنطق المؤسسة لا بمنطق رد الفعل. وهو فرق جوهري بين تدبير يلاحق الاحداث، وتدبير يصنع شروط التحكم فيها.
ومع كل دخول مدرسي، تكون الانظار موجهة عادة نحو الارقام: عدد المؤسسات، وعدد التلاميذ، وعدد الحجرات، ونسب الجاهزية. غير ان خلف هذه الارقام توجد هندسة تدبيرية كاملة، تتطلب كثيرا من اليقظة، وشيئا من الصرامة، وقدرا كبيرا من الذكاء في قراءة البشر والملفات والاكراهات.
هنا تتجلى بصمة العلامي القريشي: حكامة لا تقف عند حدود التنظيم، ودهاء لا يعني المناورة، بل القدرة على استباق الصعوبات، وتحويل المعطيات المتفرقة الى قرار، وتحويل القرار الى فعل ميداني.
فالقيادة في التربية لا تظهر فقط عندما تسير الامور بشكل جيد، بل حين تكون الظروف معقدة، والوقت ضيقا، والانتظارات مرتفعة. وعندها يصبح الفرق واضحا بين من يدير الملفات، ومن يعرف كيف يدير المرحلة.
