بقلم: يوسف عطري
بينما تُضخ الملايير في ميزانية الدولة من رئة “آسفي” الصناعية والبحرية، تظل المدينة غارقة في مفارقة تنموية “سريالية”؛ ثروة هائلة فوق الأرض وفي عمق البحر، يقابلها فقر في البنية التحتية، ونزيف في الكرامة الصحية، وتغول للوبيات الريع التي حولت الإقليم إلى “إقطاعية” عائلية خارج زمن المحاسبة.
الثروة للغير والتلوث للسكان ، الى أين تتجه البوصلة ؟
لا يمكن الحديث عن آسفي دون الاصطدام بحقيقة “الاقتصاد الاستنزافي”. فالمدينة التي تحتضن أكبر المجمعات الكيماوية وتصدر الفوسفاط وتغذي الأسواق بأجود الأسماك، تعيش ما يمكن تسميته “لعنة الموارد”. فالمداخيل “تُرحل” بينما يُترك للآسفيين غبار الكبريت، وأسيد الفوسفوريك، وشواطئ ملوثة. هذا “الإجحاف” لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل هو جريمة تنموية مكتملة الأركان، جعلت “حاضرة المحيط” مجرد محطة عبور للثروة، لا مستقراً لثمارها.
من المثير للسخرية السوداء أن مدينة كانت سباقة تاريخياً لامتلاك مطار ومحطة قطار محورية، تجد نفسها اليوم “معزولة” سياحياً ولوجستيكياً. محطة قطار باهتة لا تليق بحجم التحديات، ومآثر تاريخية عالمية مثل “قصر البحر” تُترك لتصارع الانهيار أمام أمواج المحيط، في مشهد يختزل غياب “الغيرة السياسية” لوزارات وصية لا تتحرك إلا بعد فوات الأوان.
مستشفى محمد الخامس: حين تتحول “الخدمة” إلى “فاجعة”
في قطاع الصحة، لم يعد الساكنة يتحدثون عن “نقص التجهيزات”، بل عن “مؤسسة للموت”. مستشفى محمد الخامس بآسفي بات عنواناً لليأس؛ فبين جدرانه يضيع الحق في الحياة، وتتحول ميزانيات التسيير إلى ثقب أسود لا أثر له على سرير المريض . إنه “الخسف” في أبشع صوره، حين تساهم المدينة في بناء مستشفيات جامعية في مدن أخرى، بينما يئن أبناؤها في قاعات انتظار تفتقر لأبسط شروط الإنسانية.
أخطبوط الريع.. “و ضفادع” تعشق المستنقع
إن العائق الحقيقي أمام نهضة آسفي ليس “شح الموارد”، بل هو “أخطبوط الفساد” الذي أحكم قبضته على المجالس المنتخبة. نحن أمام “توارث للرداءة”؛ حيث تُورث المقاعد والولاءات كما تُورث العقارات، مما خلق طبقة من “الضفادع السياسية” التي تقتات على بقاء الوضع كما هو عليه. بالنسبة لهؤلاء، فإن أي “تعقيم” للمناخ الإداري أو “شفافية” في الصفقات العمومية هي بمثابة تجفيف للمستنقع الذي يضمن بقاءهم.
هل من “زلزال” يعيد ترتيب الفوضى؟
إن آسفي اليوم لا تطلب “ترميماً” بل تطلب “تغييراً بنيوياً”. الحل لن يأتي من صناديق اقتراع تتحكم فيها المصالح الضيقة، بل من تدخل سيادي حازم: يضع حداً لسياسة الإفلات من العقاب ويُفعل آلية “من أين لك هذا” ضد وجوه عمرت طويلاً ولم تزد المدينة إلا خبالاً.
لجان تفتيش تقنوقراطية: لا تخضع للمساومات المحلية، لفتح ملفات الصفقات “المعطوبة” والمشاريع التي وُلدت ميتة.
مشروع “الميناء الترفيهي”: كضرورة استراتيجية لتحرير المدينة من هيمنة الصناعات الملوثة وفتح أفق سياحي يليق بذاكرة “حاضرة المحيط”.
لقد آن الأوان لرفع الغبار عن آسفي. المدينة أعطت الكثير، وحان الوقت لترد لها الدولة الاعتبار، ليس كصدقة، بل كدين تاريخي وتنموي مستحق.
