من حاضرة سبعة رجال وقبائل الحوز إلى متوكة وسكساوة، ومن الرحامنة والسراغنة وأحمر إلى عبدة، ومن الشياظمة ورجالات ركراكة إلى حاحا… عام من الحضور والإنجاز جعل تعيينه حسنة من حسنات الوزارة
ليس من اليسير قيادة منظومة تربوية تمتد عبر مجال جهوي تتعدد فيه الخصوصيات التاريخية والثقافية والاجتماعية؛ من حاضرة سبعة رجال وقبائل الحوز، إلى مجالات متوكة وسكساوة، ومن الرحامنة والسراغنة وأحمر، إلى عبدة، ثم الشياظمة ورجالات ركراكة وقبائل حاحا. غير أن السيد عبد اللطيف شوقي أبان، خلال عامه الأول، عن قدرة واضحة على استيعاب هذا التنوع وتحويله من تحد تدبيري إلى مصدر قوة وتكامل. فلم يتعامل مع الجهة باعتبارها مجالا إداريا متجانسا، بل بوصفها فسيفساء من المجالات والانتظارات والخصوصيات، تحتاج إلى قيادة قريبة من الميدان، منصفة بين المناطق، وقادرة على تكييف البرامج الوطنية مع حاجات كل مجال. ومن هنا، لم يعد حضوره مجرد ممارسة لاختصاص إداري، بل أصبح عنوانا لتدبير جهوي يربط المركز بالأطراف، ويمنح المدرسة العمومية الحضور نفسه والاهتمام ذاته، أينما كان موقعها داخل هذه الرقعة التاريخية الواسعة. وتلك إحدى الدلالات التي تجعل تعيينه اختيارا موفقا يحسب للوزارة، لما أضفاه على العمل الجهوي من حيوية وقرب واستمرارية في التتبع.مر عام كامل على تنصيب السيد عبد اللطيف شوقي مديرا للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش–آسفي، وهي مدة كافية لرصد ملامح أسلوب تدبيري لم يكتف بالحضور الإداري من داخل المكاتب، بل اختار منذ بدايته أن يجعل من المؤسسة التعليمية والميدان ونتائج المتعلمين البوصلة الحقيقية للعمل الجهوي.
ففي 10 يوليوز 2025، صادق مجلس الحكومة على تعيينه في هذا المنصب، قبل أن يترأس وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، يوم 20 يوليوز من السنة نفسها بمدينة مراكش، مراسم تنصيبه رسميا. ولم يكن إشادة الوزير، خلال حفل التنصيب، بالتجربة المهنية المتميزة التي راكمها عبد اللطيف شوقي في المجالين التربوي والتدبيري مجرد عبارة بروتوكولية؛ فقد حملت اعترافا مؤسساتيا بمسار مسؤول قدم، من خلال المواقع التي شغلها، إضافات نوعية للمدرسة العمومية، وأصبح مطالبا بقيادة منظومة جهوية واسعة ومتعددة التحديات.
وبعد عام من العمل، يمكن القول إن تعيين عبد اللطيف شوقي كان من الاختيارات الموفقة التي تحسب للوزارة. ليس لأن الرجل سعى إلى ملء واجهة المشهد التربوي، وإنما لأنه أعاد للمسؤولية الجهوية معناها العملي: النزول إلى الميدان، والإنصات إلى الفاعلين، وتتبع الأوراش، وربط البرامج بالنتائج، واستحضار المتعلم باعتباره الغاية الأولى والأخيرة لكل إصلاح.
فمن حاضرة سبعة رجال بمراكش، إلى سفوح الحوز وامتدادات شيشاوة؛ ومن أرض السراغنة والرحامنة وذاكرة فقهائها ورجالاتها، إلى بلاد أحمر باليوسفية؛ ومن آسفي، حاضنة عبدة وفرسانها، إلى الصويرة، موطن ركراكة والشياظمة وحاحا، وجد المدير الجهوي نفسه أمام مجال ترابي شديد التنوع، يجمع المدينة الكبرى والقرية الجبلية، والساحل والسهل، والمراكز الحضرية والمناطق المتضررة من الزلزال. وتلك ليست جهة يسهل تدبيرها بقرارات نمطية موحدة، بل تحتاج إلى قيادة تدرك اختلاف المجالات، وتمنح لكل إقليم ما يناسب حاجاته وانتظاراته. وتضم الجهة رسميا عمالة مراكش وسبعة أقاليم، فيما تعرف مراكش بحاضرة سبعة رجال، وترتبط ركراكة بمجال الشياظمة في إقليم الصويرة، كما تمثل بلاد أحمر مكونا تاريخيا من مجال اليوسفية.
ولعل أقوى ما يلخص شخصية التدبير خلال هذه السنة أن أولى الخرجات الميدانية للمدير الجديد قادته، بعد ثلاثة أيام فقط من تنصيبه، إلى إقليم الحوز، حيث تفقد يوم 23 يوليوز 2025 أوراش إعادة بناء وتأهيل المؤسسات التعليمية والداخليات المتضررة من الزلزال. لم يبدأ الرجل من قاعة الاجتماعات، بل بدأ من جرح الجهة الأكثر إلحاحا، ومن مؤسسات ينتظر أطفالها استعادة شروط الأمان والاستقرار والتمدرس اللائق.
وكان لهذا الاختيار دلالته العميقة؛ لأن إعمار المدرسة في المناطق المتضررة ليس مجرد بناء للحجر، وإنما هو إعادة بناء للثقة، واستعادة للأمل، وحماية لحق الأطفال في التعلم داخل فضاءات آمنة. ومن هنا ظهر مبكرا أن القيادة الجديدة تريد أن تقيس نجاحها بما يتحقق داخل المؤسسة، لا بما يكتب في التقارير وحدها.
وخلال السنة نفسها، برز الحضور الوازن للسيد عبد اللطيف شوقي في المحطات الأساسية للمنظومة الجهوية: من تتبع الدخول المدرسي والبرامج التربوية، إلى توسيع مؤسسات الريادة، ومواكبة التعليم الأولي، وتأمين الاستحقاقات الإشهادية، وتتبع الدعم التربوي والمدرسة الصيفية، مرورا بالتنسيق مع الولاية والعمالات والمجالس المنتخبة والمصالح الخارجية والشركاء.
ولم يكن هذا الحضور حضور مناسبات وصور، بل كان حضورا مؤسساتيا يترجم موقع مدير الأكاديمية باعتباره قائدا لمنظومة تضم عشرات الآلاف من الأطر ومئات الآلاف من المتعلمين، ومسؤولا عن تنسيق ثمانية مجالات ترابية مختلفة في حاجاتها وإمكاناتها.
وخلال عرض مخطط الأكاديمية برسم سنة 2026، أعلن عن برمجة تشييد نحو 100 مؤسسة تعليمية جديدة، مع رفع عدد المدارس الابتدائية المنخرطة في نموذج الريادة من 522 إلى 771 مؤسسة، والرفع من عدد إعداديات الريادة من 98 إلى 158 مؤسسة. وهذه الأرقام لا تمثل مجرد توسع كمي، بل تعكس إرادة في الجمع بين توسيع العرض المدرسي وتحسين جودة التعلمات وتخفيف الاكتظاظ وتقريب الخدمة التعليمية من المواطن.
كما أعطى السيد مدير الأكاديمية، في فبراير 2026، الانطلاقة الفعلية للأبواب المفتوحة الخاصة بالتعليم الأولي والتربية الوالدية الإيجابية، بما يعكس وعيا بأن جودة المدرسة تبدأ قبل ولوج التعليم الابتدائي، وأن الأسرة شريك أساسي في بناء شخصية الطفل ومواكبته.
وفي يونيو 2026، احتضن إقليم الرحامنة زيارة وزير التربية الوطنية لمؤسستين تعليميتين، خصصت لتتبع جودة التعلمات ونتائج المراقبة المستمرة وبرامج الدعم التربوي والأنشطة الموازية داخل مؤسسات الريادة. وقد أكدت هذه المحطة قدرة الأكاديمية على تأمين التنسيق بين المستوى المركزي والجهوي والإقليمي والمحلي، وتقديم صورة منظومة جهوية حاضرة داخل أوراش الإصلاح الوطني.
أما نتائج البكالوريا، فقد جاءت لتمنح الموسم دلالة خاصة؛ إذ بلغ عدد الناجحات والناجحين في الدورة العادية 33718، بنسبة نجاح وصلت إلى 68.91 في المائة، وحصل 19153 منهم على إحدى الميزات، بما يمثل 56.80 في المائة من مجموع الناجحين. كما احتلت جهة مراكش–آسفي المرتبة الثالثة وطنيا، وحققت أعلى معدل عام وطني في ثلاثة مسالك.
ومن الإنصاف التأكيد أن هذه النتائج ليست إنجاز فرد واحد؛ فهي ثمرة اجتهاد التلميذات والتلاميذ، وعمل الأستاذات والأساتذة، وتعبئة الأطر الإدارية وهيئات التفتيش والتأطير والمختصين، ومساندة الأسر والسلطات والشركاء. لكن القيادة الناجحة هي التي تمنح لهذا الجهد الجماعي الانسجام والاتجاه، وتؤمن شروط الإنجاز، وتستبق الاختلالات، وتحول تعدد المتدخلين إلى قوة موحدة في خدمة المدرسة.
وقد ظهر هذا الحس الجماعي في حرص مدير الأكاديمية، خلال المناسبات الرسمية، على تثمين جهود الأطر والفاعلين والشركاء والأسر، وعدم اختزال الحصيلة في شخصه. وهذه خصلة قيادية ذات قيمة؛ فالمسؤول القوي لا يصنع مجده بتهميش من يعملون معه، بل يبني النجاح بالاعتراف بهم، ويفتح أمامهم مساحة للمبادرة وتحمل المسؤولية.
ولم تتوقف المسؤولية بانتهاء الدراسة والامتحانات؛ إذ امتد التتبع إلى برنامج المدرسة الصيفية لفائدة التلميذات والتلاميذ المهددين بالانقطاع. وقام مدير الأكاديمية بزيارة ميدانية إلى إقليم الحوز للوقوف على سير البرنامج والتواصل مع الأطر المشرفة عليه، بما يؤكد أن محاربة الهدر المدرسي ليست شعارا موسميا، بل مسؤولية مستمرة تتطلب الدعم والتأهيل والتفتح والمواكبة النفسية والاجتماعية.
وبعد سنة من العمل، يمكن استخلاص ملامح واضحة لمنهج عبد اللطيف شوقي: ميدان قبل المكتب، ونتائج قبل الشعارات، وتنسيق قبل الانفراد، وإنصاف للمجالات قبل التدبير الموحد. لقد أبان عن قدرة على الجمع بين صرامة المسؤولية وهدوء التدبير، وبين الحضور المؤسساتي والإنصات الميداني، وبين تنزيل التوجيهات الوطنية واستحضار خصوصيات كل إقليم.
إن جهة بحجم مراكش–آسفي لا تحتاج مديرا يكتفي بتوقيع المراسلات، بل تحتاج قائدا يربط جبال الحوز بشواطئ آسفي والصويرة، ويجعل من مدرسة الرحامنة والسراغنة واليوسفية وشيشاوة جزءا من رؤية جهوية واحدة، دون أن يلغي خصوصية كل مجال. وهذا ما بدأت معالمه تتضح خلال السنة الأولى.
ومن ثم، فإن وصف تعيينه بأنه حسنة من حسنات الوزارة ليس مجاملة مجانية، بل حكم يستند إلى مؤشرات ومسار وحضور ميداني. فقد أظهر الرجل أن الثقة التي وضعت فيه لم تكن امتيازا، بل مسؤولية ترجمها إلى حركة دائمة داخل أقاليم الجهة، وإلى تتبع للأوراش، وحضور في المحطات الحاسمة، وتعبئة حول المدرسة العمومية.
وبين 20 يوليوز 2025 و20 يوليوز 2026، لم يمر عام عادي على أكاديمية مراكش–آسفي؛ بل مرت سنة تأسيس لإيقاع جديد في القيادة الجهوية، عنوانه القرب والنجاعة والنتائج. سنة جعلت اسم عبد اللطيف شوقي مرتبطا بمسؤول لا ينتظر أن يأتيه الميدان، بل يذهب إليه، ولا يكتفي بعرض الحصيلة، بل يشارك في صناعتها.
وهكذا، من أرض سبعة رجال إلى فرسان عبدة، ومن ركراكة والشياظمة إلى بلاد أحمر، ومن جبال الحوز وشيشاوة إلى سهول الرحامنة والسراغنة، تمضي أكاديمية مراكش–آسفي في مسار التميز، مستندة إلى نسائها ورجالها، وإلى قيادة جهوية جعلت من خدمة المتعلم، وصيانة كرامة المدرسة العمومية، وتحقيق الجودة والإنصاف، جوهر المسؤولية وميزان النجاح.
