
لا يمكن لأي متتبع منصف أن يختلف مع المبادئ العامة التي وردت في المقال، كالدعوة إلى الحوار، ووحدة الصف، والاحتكام إلى القانون. لكن المشكلة ليست في المبادئ، وإنما في تشخيص الأزمة، إذ لا يمكن الحديث عن “الصراع” دون البحث في أسبابه الحقيقية، ولا يجوز تقديم النتائج وإخفاء الأسباب، لأن ذلك لا يخدم الحقيقة، بل يساهم في تمرير مغالطات وتكوين رأي عام مهني مبني على معطيات ناقصة.
لقد تحدث المقال عن الانقسام، لكنه لم يسأل: من صنع هذا الانقسام؟ ولماذا تعذر الوصول إلى توافق رغم تعدد المبادرات؟
والحقيقة التي يعرفها عدد كبير من المديرات والمديرين هي أن المكتب المسير لم يغلق باب الحوار يوما، بل بادر إلى عقد لقاءات متواصلة مع مديرات ومديرين من مختلف الانتماءات النقابية، ومع كفاءات مهنية مشهود لها بالنزاهة والاحترام، بحثا عن صيغة توافقية تضمن تمثيل الجميع، بما في ذلك المديرون بالإسناد وخريجو مسلك الإدارة التربوية. ولم يكن التشبث بالرئاسة أو بالمناصب هاجسنا، بل أبدينا استعدادا صريحا للتنازل عنها إذا كان ذلك سيحافظ على وحدة الجمعية واستقلاليتها.
غير أن كل تلك المبادرات اصطدمت بإصرار بعض التنظيمات على تحويل الجمعية إلى امتداد لتنظيمها النقابي، في حين نؤمن نحن بأن الجمعية إطار مهني مستقل، يجمع جميع المديرات والمديرين على اختلاف انتماءاتهم، ولا ينبغي أن يخضع لأي وصاية حزبية أو نقابية.
ومن المغالطات التي وردت في المقال الحديث عن “حرب البيانات المتبادلة والردود والردود المضادة”، في حين أن جمعية مديرات ومديري التعليم الابتدائي بآسفي لم تصدر أي بيان رسمي في هذا الموضوع، ولم تدخل في أي حرب بيانات مع أي جهة. وعليه، فإن الإشارة إلى بيانات متبادلة لا تستند إلى وقائع ثابتة، وتوحي للقارئ بوجود معارك إعلامية بين أطراف الجمعية، وهو أمر لا أساس له في الواقع.
كما أغفل المقال أن الجمعية لها قوانين تنظم سيرها، ومن بينها شرط الانخراط لمدة سنتين متتاليتين لاكتساب الحقوق الكاملة داخلها، وهو مقتضى قانوني يهدف إلى ترسيخ الجدية والاستمرارية، وليس إلى إقصاء أي طرف.
وتجاهل أيضا معطى تنظيميا وطنيا بالغ الأهمية، يتمثل في ضرورة تجديد المكتب الوطني للجمعية، باعتباره شرطا للحصول على التزكية القانونية اللازمة لعقد الجموع العامة المحلية، وهو إشكال مطروح وطنيا ولا يقتصر على إقليم آسفي.
أما جوهر الخلاف الحقيقي، فهو رفض تحويل الجمعية إلى مجال للهيمنة النقابية أو لتحقيق طموحات شخصية. فالجمعية لم تؤسس لتكون ذراعا لأي تنظيم، وإنما لتكون بيتا مهنيا مستقلا يدافع عن قضايا الإدارة التربوية، ويجمع الجميع تحت سقف واحد.
كما أن بروز من يقدم نفسه باعتباره “البديل” ويحاول فرض نفسه بمنطق الأمر الواقع، لا يمكن أن يكون بديلا عن الشرعية القانونية والمؤسساتية. فالبديل الحقيقي لا يصنعه الخطاب ولا الحملات الإعلامية، وإنما يصنعه احترام القانون، وإرادة المنخرطين، وجمع عام قانوني وديمقراطي.
إن الدعوة إلى الوحدة لا تكتمل إلا بتشخيص الأسباب الحقيقية للأزمة، لأن الوحدة لا تبنى على تجاهل الوقائع، ولا على مساواة من يدافع عن استقلالية الجمعية بمن يحاول توظيفها لخدمة أجندات أخرى.
وفي الختام، فإن من الوفاء والإنصاف أن نستحضر بكل اعتزاز الرعيل الأول والثاني من مناضلات ومناضلي جمعية مديرات ومديري التعليم الابتدائي، الذين صنعوا تاريخ هذه الجمعية على امتداد أكثر من ثلاثة عقود. فقد قدموا من أموالهم الخاصة، ومن وقتهم، ومن جهدهم، ومن استقرارهم الأسري والمهني، وناضلوا بإخلاص دفاعا عن كرامة الإدارة التربوية وعن حقوق المديرات والمديرين، دون أن ينتظروا جزاء أو مكسبا شخصيا.
لقد كان هؤلاء الرواد وراء الكثير من المكتسبات التي تتمتع بها الإدارة التربوية اليوم، ومع ذلك فإن أغلبهم لم يستفد من أي تسوية خاصة لوضعيته القانونية أو المالية، ولم يحصل على أي امتياز نظير تضحياته. بل إن منهم من أحيل على التقاعد، ومنهم من وافته المنية، وهو لم يجن من سنوات النضال سوى شرف الدفاع عن المهنة ونظافة اليد وصدق الانتماء.
إن هذا الواقع يمثل، في نظر كل منصف، حيفا كبيرا في حق رجال ونساء أعطوا الكثير ولم يأخذوا شيئا لأنفسهم، وتركوا للأجيال رصيدا نضاليا وأخلاقيا سيظل شاهدا على إخلاصهم. ولذلك فإن الدفاع عن استقلالية الجمعية اليوم ليس دفاعا عن أشخاص أو مواقع، بل هو وفاء لتاريخ هؤلاء المناضلين، وصون لإرثهم، وحماية لجمعية صنعت مكانتها بالتضحية والعمل الجاد، لا بالمزايدات ولا بمحاولات السطو عليها.
رحم الله من رحل منهم، وأطال عمر الأحياء، وجزاهم جميعا خير الجزاء. وسيظل التاريخ شاهدا على أن ما تحقق للإدارة التربوية من مكتسبات كان ثمرة رجال ونساء آمنوا برسالتهم، وخدموا مهنتهم بإخلاص، دون أن ينتظروا مقابلا أو مكافأة.
( عبدالهادي بودى )
