الرئيسية Uncategorized رحيل موسوعة في زمن التخصصات، المغرب والأمة الإسلامية يودّعان الشيخ الدكتور عبد الهادي حميتو

رحيل موسوعة في زمن التخصصات، المغرب والأمة الإسلامية يودّعان الشيخ الدكتور عبد الهادي حميتو

كتبه كتب في 9 مارس 2026 - 11:43 م

 

برحيل العلماء الربانيين تفقد الأمة منارات للهداية، وتغيب عنها شموس البيان، وتخبو مصابيح الإرشاد التي كانت تهدي العقول والقلوب إلى سواء السبيل. ومن أعظم ما تصاب به الأمم أن تفقد علماءها العاملين الذين جمعوا بين العلم والتعليم، وبين الفقه والدعوة، وبين التحقيق والتربية.
وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، يعتصرها الألم ويغمرها الأسى، ننعى إلى الشعب المغربي وإلى الأمة الإسلامية جمعاء رحيل علم من أعلام القرآن وعلومه، وأحد كبار المشتغلين بالقراءات والتفسير والفقه واللغة، الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الهادي حميتو، الذي وافته المنية مساء الأحد 18 رمضان 1447هـ الموافق 8 مارس 2026م عن عمر ناهز 83 عاما، بعد حياة حافلة بالبذل العلمي والعطاء التربوي وخدمة كتاب الله تعالى.
نشأة علمية مباركة
ولد الشيخ عبد الهادي بن عبد الله بن إبراهيم حميتو سنة 1362هـ / 1943م في قبيلة الشياظمة بنواحي الصويرة جنوب مراكش. وفي بيئة علمية تقليدية عامرة بحفظ القرآن وتعظيمه، حفظ القرآن الكريم صغيرا على يد والده وهو في السابعة من عمره، ثم أقبل على حفظ المتون العلمية في الرسم والضبط والتجويد.
التحق بالتعليم الأصيل، فقرأ المتون الكبرى في العربية والفقه، مثل الآجرومية وألفية ابن مالك ومنظومة ابن عاصم وغيرها من متون الفقه المالكي، قبل أن يلتحق بـ مدرسة ابن يوسف بمراكش، التي كانت منارات العلم بالمغرب.
ثم تابع مساره العلمي في كلية اللغة العربية بمراكش حيث نال الإجازة سنة 1972، قبل أن ينتقل إلى دار الحديث الحسنية بالرباط، المؤسسة العلمية المرموقة، حيث حصل على دبلوم الدراسات العليا سنة 1979 ببحث حول اختلاف القراءات وأثره في استنباط الأحكام، ثم نال دكتوراه الدولة سنة 1995 عن أطروحته الموسوعية:
“قراءة الإمام نافع عند المغاربة: دراسة في تاريخها ومقوماتها الأدائية من القرن الرابع إلى القرن العاشر الهجري”.
مسار علمي في صحبة العلماء
نهل الدكتور حميتو من كبار العلماء والأساتذة داخل المغرب وخارجه، فدرس الأدب والنقد والبلاغة والتفسير واللغة على نخبة من الأعلام، منهم:
الدكتور الفاروق الرحالي، والدكتور محمد نجيب البهبيتي، والدكتور عبد السلام جبران، والدكتور عباس الجراري، والدكتور عبد السلام الهراس، وغيرهم من كبار الأساتذة.
كما قرأ على عدد من الشيوخ التقليديين في العلوم الشرعية واللغوية، فجمع بين التكوين الأصيل والدراسة الجامعية الحديثة، وهو الجمع الذي منح تكوينه العلمي عمقا وتميزا جعله من أبرز العلماء الموسوعيين في عصره.
مكانة علمية رفيعة
تميّز الشيخ عبد الهادي حميتو بمكانة علمية مرموقة داخل المغرب وخارجه، حتى وصفه تلامذته ومعاصروه بأنه “موسوعة في عصر التخصصات”. فقد جمع بين علوم متعددة قل أن تجتمع في عالم واحد في هذا العصر.
ففي علم القراءات كان مرجعا معتمدا في طرق الرواية وأسانيدها، وواحدا من أبرز المتخصصين في قراءة الإمام نافع عند المغاربة ورواية ورش خاصة.
وفي الفقه المالكي كان بصيرا بأصوله ومسالك استنباطه، قادرا على الربط بين الخلاف القرائي والخلاف الفقهي.
وفي علوم الحديث عُرف بتمكنه من علم الرجال والجرح والتعديل.
أما في اللغة والأدب فكان أديبا وشاعرا له قدرة بارعة على النظم والتحليل اللغوي الدقيق.
لقد جمع بين الرواية والدراية، وبين التحقيق والتدريس، وبين العلم والتربية، فكان مدرسة قائمة بذاتها.
مسؤوليات علمية ومهام رفيعة
تقديرا لمكانته العلمية، تقلّد الشيخ حميتو عددا من المناصب العلمية الرفيعة، منها:
عضو المكتب التنفيذي في الرابطة المحمدية للعلماء.
عضو الهيئة التأسيسية للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم بجدة.
رئيس لجنة مراجعة المصحف المغربي الذي طُبع سنة 2010.
رئيس الهيئة العلمية بمؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف.
أستاذ بمعهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية.
محكّم دولي في عدد من أكبر المسابقات القرآنية العالمية بمكة المكرمة والقاهرة ودبي والبحرين.
كما أشرف على العديد من الرسائل الجامعية، وساهم في تأطير مشاريع علمية كبرى، إلى جانب إشرافه التربوي على دور القرآن الكريم، ومنها دار القرآن بالجريفات بمدينة آسفي.
آثار علمية خالدة
ترك الراحل مكتبة علمية ثرية تضم كتبا وأبحاثا تعد مراجع أساسية في علوم القرآن والقراءات، من أبرزها:
قراءة الإمام نافع عند المغاربة (سبعة أجزاء).
الدليل الأوفق إلى رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق.
زعيم المدرسة الأثرية في القراءات الإمام الشاطبي.
حياة الكتّاب وأدبيات المحضرة.
معجم شيوخ الحافظ أبي عمرو الداني.
معجم مؤلفات الحافظ أبي عمرو الداني.
من جنايات التصحيف على علم المصحف الشريف.
إسهام مالكية المغرب في القراءات وعلوم القرآن.
وقد تميزت هذه المؤلفات بالدقة العلمية والتحقيق الرصين والقدرة على الجمع بين التراث والتحليل العلمي المعاصر.
عالم مربّ وإنسان ملهم
لم يكن الشيخ حميتو عالما محققا فحسب، بل كان مربيا ومعلما، ترك أثرا عميقا في نفوس طلابه. وقد وصفه أحد تلامذته بأنه بحر من العلوم تتلاطم أمواجه؛ فإذا جلس للحديث أفاض علما في القرآن والحديث والفقه واللغة والتاريخ والشعر، في مجلس واحد، بأسلوب جذاب يجمع بين العمق والمتعة.
وكان رحمه الله مثالا للعالم المتواضع، القريب من طلابه، السخي بعلمه، الحريص على نشر القرآن وتعظيمه، مؤمنا بأن خدمة كتاب الله شرف العمر كله.
خسارة للأمة وبقاء للأثر
إن رحيل الشيخ الدكتور عبد الهادي حميتو خسارة علمية كبيرة للمغرب وللعالم الإسلامي، غير أن العلماء الصادقين لا يغيبون بوفاتهم؛ إذ تبقى آثارهم في كتبهم وتلامذتهم ومشاريعهم العلمية.
لقد رحل الجسد، لكن العلم باق، والكتب شاهدة، والطلاب حملة الرسالة، والمصحف المغربي الذي شارك في مراجعته سيظل شاهدا على دقة علمه وأمانته.
ختاماً
نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجزيه عن القرآن وأهله خير الجزاء، وأن يجعل علمه صدقة جارية له إلى يوم الدين.
وأن يلهم أهله وتلامذته ومحبيه الصبر والسلوان، وأن يعوض الأمة الإسلامية بعلماء صادقين يحملون مشعل العلم كما حمله هذا العالم الجليل.
رحم الله الشيخ الدكتور عبد الهادي حميتو، وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مشاركة
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .