الرئيسية Uncategorized المدرسة الرائدة… حين يتحول مشروع الإصلاح إلى عبث مؤسسي يربك الأستاذ ويخذل المتعلم.

المدرسة الرائدة… حين يتحول مشروع الإصلاح إلى عبث مؤسسي يربك الأستاذ ويخذل المتعلم.

كتبه كتب في 22 يناير 2026 - 9:10 م

الكاتب : بودى عبدالهادي

كان من المفترض أن تشكل المدرسة الرائدة مختبرا تربويا متقدما، يقوم على التخطيط المحكم، والاستقرار التنظيمي، وجودة التقويم، غير أن ما يقع داخل المؤسسات الرائدة لم يعد مجرد اختلال تدبيري عابر، بل أصبح عبثا مؤسسيا متكامل الأركان، تتقاطع فيه الارتجالية، والتخبط في القرار، وتسريبات الامتحانات، وتغييرات البرمجة التي تبلغ أحيانا برسائل ليلية عبر تطبيقات التراسل، وكأن الأمر يتعلق بتدبير شأن خاص، لا مرفقا عموميا حساسا يفترض فيه الوضوح والانتظام والمسؤولية.
■ حين تفقد البرمجة معناها.

لقد أُفرغت البرمجة التربوية من مضمونها، وفقدت الثقة في أي تخطيط مسبق، وصار الأستاذ آخر من يستشار وأول من يفاجأ.
يطلب منه أن يكون جاهزا دائما، مرنا دائما، متفهما دائما، بينما يدار المشروع التربوي بمنطق ردّ الفعل لا منطق الرؤية، وبالارتجال لا بالاستشراف.
■ الأستاذ في قلب الفوضى .

الأستاذ اليوم يعيش فوضى تربوية حقيقية:
لا يدري ماذا يدرّس غدا، ولا بأي رزنامة يلتزم، ولا لأي قرار يستعد.
يطالب بالانضباط في زمن الانفلات، وبالجدية في سياق اللامسؤولية، وبالنتائج في ظل شروط تصنع للفشل لا للنجاح.
وهذا الوضع لم يعد يقرأ كسوء تدبير ظرفي، بل كـ إهانة ممنهجة للمهنة، وضرب في عمق استقرار المدرسة العمومية، وتكريس لثقافة الاستهتار بالزمن التربوي وبكرامة المدرس.
تسريبات وإعادة امتحانات:
■ أزمة تقويم لا أزمة زمن.

وجاءت تسريبات الامتحانات وفروض المراقبة المستمرة لتعمق الجرح، وتكشف هشاشة منظومة التقويم داخل المدرسة الرائدة.
فالخطير ليس فقط وقوع التسريب، بل الارتباك في المعالجة، وغياب منطق تربوي واضح في اتخاذ القرار، خاصة عندما يتخذ قرار إعادة امتحانات التعليم الابتدائي.
قد سربت امتحانات في الثانوي التأهيلي بسلكيه في محطات سابقة، ولم تعاد، أما أن تعاد امتحانات الابتدائي، فذلك عبث تربوي صريح، لأن المتضرر الأول ليس النظام، بل الطفل.
■ التلميذ… الضحية الصامتة.

التلميذ، رغم صغر سنه، يعيش بدوره حالة ارتباك قاسية.
يستعد للامتحان بمعية ولي أمره، يجتاز فروضه، يعلق أمله على النتيجة في نهاية الأسبوع، وعلى عطلة ينتظرها بشغف، وهي العطلة الوحيدة في السنة التي يفترض أن تكون زمن راحة نفسية لا زمن ضغط.
ثم يفاجأ بأن الامتحانات ستعاد بعد العطلة، وأن فرحة النتيجة أُجلت، والأسوأ أن عطلة الراحة تحولت إلى فترة مراجعة شاملة لكل المواد، استعدادا لاجتياز امتحانات جديدة.
أي رسالة تربوية نبعث بها لطفل في مثل هذا العمر؟
■ولي الأمر… حيرة وفقدان اقتناع.

ولي الأمر يجد نفسه عاجزا عن الإقناع.
كيف يقنع طفله بإعادة امتحان اجتازه بنزاهة؟
كيف يشرح له منطق قرار لا هو نفسه مقتنع به؟
طفل يقول: «لم أغش، حفظت، أنجزت التمارين في القسم وفي البيت، لماذا أعيد؟»
ويقسم أنه لن يراجع خلال العطلة، لأنه لا يفهم سبب العقاب الجماعي.
وهنا تتحول المدرسة، بدل أن تكون فضاء للثقة والطمأنينة، إلى مصدر للتوتر واللايقين وفقدان المعنى.

■ أي إصلاح نريد؟.

في ظل هذا العبث المنظم، يحق للجميع أن يتساءل:
أي إصلاح يرجى؟
أي جودة تنشد؟
وأي ثقة يمكن بناؤها؟
حين يهان الأستاذ، ويربك التلميذ، ويفقد ولي الأمر قناعته، فإن الخلل لا يكون تقنيا، بل بنيويا عميقا.

■المطلوب: تصحيح المسار قبل انهيار الثقة.

إن إنقاذ تجربة المدرسة الرائدة يمر عبر:
1) القطع النهائي مع القرارات الليلية والارتجالية واعتماد تخطيط تربوي معلن ومستقر.
2) حماية الأستاذ من الفوضى التنظيمية، ورد الاعتبار لدوره كشريك لا كمنفذ مفاجأ.
3) تحصين منظومة التقويم، ومعالجة التسريبات بصرامة، دون تحميل التلميذ ثمن اختلال لم يكن طرفا فيه.
4) استحضار الأثر النفسي والتربوي لأي قرار يخص المتعلم، خاصة في التعليم الابتدائي.
5) إعادة بناء الثقة مع الأسر، بالتواصل الصادق، والقرارات المعقولة، والحلول التربوية لا الترقيعية.
6) فالمدرسة الرائدة لا تقاس بالشعارات، بل باستقرارها، وعدالتها، واحترامها لعقل الطفل وكرامة الأستاذ.

مشاركة
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .