بقلم/ ذ.عبدالهادي بودى
لم يعد النقاش حول الرقمنة في التعليم شأنا تقنيا يختزل في توفير المعدات أو إدماج تطبيقات حديثة داخل الفصول الدراسية، بل تحول إلى سؤال استراتيجي يمس طبيعة النموذج التربوي ذاته. فنحن نعيش زمنا تعيد فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي صياغة مفهوم المعرفة، وتغير علاقة الإنسان بالمعلومة، وتفرض أنماطا جديدة من التعلم والتفكير.

في هذا السياق، يكتسي تنظيم الملتقى الأول للتكنولوجيا التربوية بمدينة آسفي دلالة تتجاوز حدود الحدث التنظيمي، ليشكل مؤشرا على انخراط المدرسة المغربية في تفكير عميق حول موقعها داخل التحولات الرقمية العالمية.
من مجتمع المعلومات إلى مجتمع الذكاء الاصطناعي.
انتقل العالم من مرحلة تكديس المعلومات إلى مرحلة إنتاج المعرفة عبر الخوارزميات. ولم تعد المدرسة المصدر الحصري للمعلومة، بل أضحت فضاء لإعادة بنائها وتأويلها ونقدها. وهذا التحول يفرض إعادة تعريف أدوار الفاعلين التربويين:

المدرس باعتباره موجها ومصمما لبيئات تعلم ذكية.
المتعلم كفاعل في إنتاج المعرفة، لا مستهلك لها.
المؤسسة التعليمية كحاضنة للابتكار، لا مجرد فضاء للتلقين.
إن السؤال الحقيقي الذي يطرح اليوم لم يعد: كيف نوظف التكنولوجيا؟
بل: أي نموذج تربوي نريد في عصر الذكاء الاصطناعي؟
تجارب ناجحة… من الورش إلى المدرسة العمومية بصفة عامة ( الرائدة منها والعادية).
ما منح ملتقى آسفي عمقه النوعي هو أن النماذج المقدمة في الورشات والعروض لم تكن مجرد تصورات نظرية أو تطبيقات تجريبية محدودة، بل هي تجارب تربوية ناجحة ومتوجة بجوائز عالمية في مجال الابتكار التعليمي.
وهي تجارب أثبتت نجاعتها عند تنزيلها فعليا داخل الفصول الدراسية، خاصة في إطار مشروع :” المدرسة الرائدة ” بالمغرب، حيث تم توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في:
1) تصميم أنشطة تعليمية تفاعلية.
2) تطوير أساليب التقويم والدعم الفردي.
3) تحسين اندماج المتعلمين داخل المسار التعليمي.
4) تعزيز مهارات التفكير النقدي والإبداعي لدى الاستاذ والمتعلم.
وهو ما يمنح النقاش حول الرقمنة بعدا عمليا مبنيا على نتائج ميدانية ملموسة، لا على رهانات افتراضية.
الرقمنة كرهان جودة وعدالة.
إن نجاح هذه التجارب يطرح سؤال التعميم: كيف يمكن تحويل المبادرات الرائدة إلى سياسات تربوية مستدامة؟
فالتحول الرقمي لا ينبغي أن يكون امتيازا محدودا، بل أداة لضمان العدالة التعليمية وتقليص الفوارق. غير أن هذا المساريتطلب رؤية متكاملة تقوم على:
الاستثمار في التكوين المستمر للأطر التربوية والادارية وهيئة المراقبة.

تأطير أخلاقي واضح لاستعمال الذكاء الاصطناعي.
ضمان تكافؤ الفرص بين المؤسسات التعليمية.
تقييم دوري للأثر البيداغوجي للتكنولوجيا داخل المؤسسات التي توظف هده التجربة لتعميمها.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته، يظل أداة؛ أما الجودة التربوية فتصنعها كفاءة المدرس وحسن توجيه العملية التعليمية.
من سؤال التقنية إلى سؤال النموذج الوطني.
إن المدرسة المغربية اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تكتفي بتبني أدوات رقمية مستوردة دون تصور واضح، أو أن تبني نموذجا وطنيا يستثمر التكنولوجيا في إطار رؤية تربوية متكاملة من فاعلين تربويين في الميدان ولهم تجارب ناجحة، تستحضر الخصوصية الثقافية والقيم الوطنية، وتستجيب لمتطلبات اقتصاد المعرفة.
لقد أظهرت التجارب المعروضة في ملتقى آسفي أن الإمكانات البشرية موجودة وهو شيء مطمئن ونعتز به ومشرف ، وأن الكفاءات التربوية المغربية قادرة على الإبداع والمنافسة عالميا متى توفرت بيئة داعمة.
ويبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من المبادرات المتميزة إلى هندسة إصلاحية شاملة، تجعل من الرقمنة رافعة استراتيجية لبناء مدرسة مغربية حديثة، منفتحة، وفاعلة في زمن الذكاء الاصطناعي.




















تعليقات الزوار ( 0 )